الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
473
معجم المحاسن والمساوئ
يا هشام ، إنّ العقلاء تركوا فضول الدّنيا فكيف الذّنوب وترك الدّنيا من الفضل وترك الذّنوب من الفرض . يا هشام ، إنّ العاقل نظر إلى الدّنيا وإلى أهلها فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة ، ونظر إلى الآخرة فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة ، فطلب بالمشقّة أبقاهما . يا هشام ، إنّ العقلاء زهدوا في الدّنيا ورغبوا في الآخرة ، لأنّهم علموا أنّ الدّنيا طالبة مطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدّنيا حتّى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدّنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته . يا هشام ، من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد والسّلامة في الدّين فليتضرّع إلى اللّه عزّ وجلّ في مسألته بأن يكمّل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا . يا هشام ، إنّ اللّه حكى عن قوم صالحين ، أنّهم قالوا : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ حين علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها ، إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه ، ومن لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلّا من كان قوله لفعله مصدّقا وسرّه لعلانيته موافقا ، لأنّ اللّه تبارك اسمه لم يدلّ على الباطن الخفيّ من العقل إلّا بظاهر منه وناطق عنه . يا هشام كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : ما عبد اللّه بشيء أفضل من العقل وما تمّ عقل امرئ حتّى يكون فيه خصال شتّى : الكفر والشّرّ منه مأمونان ، والرّشد والخير منه مأمولان ، وفضل ماله مبذول وفضل قوله مكفوف ونصيبه من الدّنيا القوت ، لا يشبع من العلم دهره ، الذّل أحبّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره ، والتّواضع أحبّ إليه من الشّرف ، يستكثر قليل المعروف من غيره ، ويستقلّ كثير المعروف من نفسه ، ويرى الناس كلّهم خيرا منه وأنّه شرّهم في نفسه وهو تمام الأمر .